نجيب الريحاني زعيم المسرح الفكاهي.. كيف أثرت وفاته على نهاية “غزل البنات”؟ | مصر


قبيل الانتهاء من تصوير الفيلم الغنائي الشهير “غزل البنات”، فوجئ مخرجه أنور وجدي بوفاة بطل الفيلم الممثل الكوميدي الشهير نجيب الريحاني، بسبب مرض التيفوئيد في مثل هذا اليوم الثامن من يونيو/حزيران 1949، لينعيه الملك فاروق الأول، وعميد الأدب العربي طه حسين، ويوصف فقده بالكارثة القومية.

هددت الوفاة مصير فيلم “غزل البنات” الذي يضم أبرز مشاهير السينما المصرية؛ مثل ليلى مراد ويوسف وهبي ومحمود المليجي واستيفان روستي، مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، لكن من حسن الحظ أن الريحاني لم يتبق له سوى مشهد واحد يجمعه مع ليلى مراد وأنور وجدي، حيث يدخل الريحاني الفيلا ليحاول إقناع الباشا بزواج ليلى مراد من أنور وجدي، فقرر أنور وجدي الاستغناء عن هذا المشهد، لكنه كان خائفا من الكارهين لنجاحه، فقرر نقل كل أشرطة الفيلم إلى بيته خوفا من أن يتلفها أحد، خاصة مع استحالة إعادة تصوير أي مشهد للريحاني.

ورغم هذه الظروف الصعبة التي واجهت الفيلم، فقد صار أحد أهم الأفلام الغنائية في تاريخ السينما المصرية، بل وأحد أشهر أدوار الريحاني السينمائية التي يتذكره بها الجمهور في دور الأستاذ حمام من بين أدواره في أفلامه، التي لم تتجاوز 10 أفلام فقط.

الفيلسوف الفنان

يقول عنه صديق عمره الشاعر بديع خيري إن الريحاني لم يكن مجرد ممثل يكسب عيشه من مهنة التمثيل، بل كان فيلسوفا وفنانا، عاش لفنه فقط، ولقي الاضطهاد والحرمان وشظف العيش، وكان يمكنه أن يعيش موظفا ناجحا كما أراد أهله، لكنه قرر أن ينفق كل ما يكسبه من أجل شغفه.

ويحكي خيري -في مقدمة مذكرات الريحاني التي نشرتها دار الهلال مجمعة بعد 10 سنوات من رحيله، وكتبها الريحاني في حلقات منشورة في مجلة عام 1937- أنه لم يحدث قط أن شرب الريحاني كأسا من الخمر قبل التمثيل، وذلك من فرط احترامه لفنه، وكان يعتكف في غرفته نصف ساعة على الأقل قبل الظهور على خشبة المسرح، ولا يسمح لأحد قط أن يعكر عليه عزلته لأي سبب، لينفرد بنفسه ويتقمص شخصيته.

حبه لفنه

كان حبه للتمثيل يملأ كل قلبه، وكان يعتقد في البداية أن الفن بالنسبة له هو “الدراما”، وأنه إذا أدى دورا كوميديا فسيكون السقوط حليفه، “والطماطم من الجمهور نصيبي”، كما يحكي الريحاني في مذكراته.

لكن الريحاني وجد في الكوميديا نجاحا لم يتوقعه، فكان نجم المسرح بلا منازع، وصار واحدا من أشهر الكوميديين في تاريخ الفنون المرئية العربية من المسرح إلى السينما، ولقب بزعيم المسرح الفكاهي، ويرجع له فضل تطوير فن الكوميديا وربطها بحياة الناس اليومية، بعد أن كان المسرح مقلدا للمسارح الأوروبية.

ورفض الريحاني الابتعاد عن الفن رغم إلحاح أطبائه عام 1942، قائلا “خير لي أن أقضي نحبي فوق المسرح من أن أموت على فراشي الوحيد”.

اتهمه البعض بالكسل، لقلة أعماله واستغراقه وقتا طويلا في تحضيرها، لكنه كان يؤمن بأنه من الأفضل أن يواجه الجمهور بمسرحية واحدة كاملة خير من 10 مسرحيات ضعيفة، لهذا كان يهتم كثيرا “بالبروفات”، ويقضي شهرا كاملا في إجراء التدريبات على فصل واحد فقط من فصول المسرحية.

إيمانه بالحظ والنبوءات

تكشف مذكرات الريحاني كذلك عن إيمانه بالحظ وقراءة الطالع، ويحكي قصة لقائه بعرافة فرنسية حين كان يعمل موظفا في شركة السكر، قرأت له العرافة الكف وأخبرته بما حدث له في ماضيه، وتنبأت له بما سيجري في مستقبله، وظل هذا اللقاء يراوده طوال حياته ويملؤها بالدهشة كلما تحقق شيء مما قالته العرافة قبل أعوام.

“مستورة الحمد لله”

ويحكي الريحاني أنه عاد من جولته المسرحية في الولايات المتحدة بمبلغ لا يزيد على ألف جنيه فقط، رغم النجاح المتواصل الذي حققه، مبررا ذلك بأنه لم يقدم أكثر من نيف و30 ليلة خلال عام كامل قضاه مع فرقته في أميركا.

ويضيف الريحاني أنه عندما يجتمع مع بديع خيري ويتذكران شؤون الماضي، يعترفان بأن أعظم مكافأة هي حصولهما على جمهور يقدرهما ويقدر عملهما، ويضيف “وإذا كان حظنا من الناحية المادية هو حظ الأديب في مصر ولكن معلش برضه.. مستورة والحمد لله”.

سعد زغلول

لم يفخر الريحاني بشيء كما فخر بتقدير الزعيم الوطني سعد زغلول له، فهو -وفقا لمذكراته- كان يحرص على حضور حفلاته، ويتردد باستمرار على مسرحه، ويظهر الإعجاب به من حين لآخر، وكان ذلك يملؤه سرورا وفخرا، ويدفعه للعمل في اجتهاد وموالاة بنشاط ورغبة.

الصديق الأوفى

يختتم الريحاني مذكراته قائلا “الآن، وبعد أن تذوقت من الحياة حلوها ومرها، وبعد أن جرعتني كأسها حتى الثمالة -كما يقولون- بعد ذلك كله أقر وأعترف أنا الواضع اسمي بخطي أدناه نجيب الريحاني، بأنني خرجت من جميع التجارب التي مرت بي، خرجت منها بصديق واحد، صديق هو كل شيء، وهو المحب المغرم الذي أتبادل وإياه الوفاء الشديد، والإخلاص الأكيد.. ذلك الصديق هو عملي”.





Source link