كثيرون رحلوا دون أن يعيشوا هذه الفرحة.. دموع السعادة وذكريات الحزن بعد الحكم على “سفاح البلقان” | بوسنة أخبار


أمس الثلاثاء 8 يونيو/حزيران الجاري، كان موعد النطق بالحكم النهائي ضد “سفاح البلقان” الذي قاد ما كان يعرف بجيش صرب البوسنة في الفترة ما بين 1992 و1995 لارتكاب جرائم حرب في البوسنة.

وحكمت المحكمة حضوريا بأن الجنرال الصربي مجرم ارتكب جريمة الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية في سربرنيتسا وسراييفو وفي 15 بلدية بوسنية أخرى.

وبهذا تكون المحكمة قد رفضت الاستئناف، وأيدت حكمها الصادر في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017 بإدانة ملاديتش بالمؤبد في 10 تهم من بين 11 تهمة، وجهها له الادعاء.

دموع الفرح اختلطت بالذكريات الحزينة عقب النطق بالحكم على ملاديتش (الجزيرة)

سراييفو

في العاصمة سراييفو تجمع أهالي الضحايا وممثلو منظمات المجتمع المدني بالصالة الرئيسية في قاعة المدينة لمتابعة المحاكمة على الهواء من خلال شاشات عرض كبرى، وبحضور عمدة سراييفو بنيامينة كاريتش.

وقد التقت الجزيرة نت بعدد من أهالي الضحايا لرصد ردود الفعل على المحاكمة، حيث اختلطت الفرحة بالحكم القضائي؛ بالحزن الذي يملأ الصدور على الأحباب الذين رحلوا.

رميزة غورديتش -التي قتل ملاديتش وأعوانه ولديها وزوجها في سربرنيتسا- قالت “الحمد لله أننا رأينا هذا الظالم الذي كان يتصنع بطولة زائفة، رأيناه ذليلا في قفص الاتهام، محاكمة السفاح الذي قتل أعزّ من لدي، لن تجعلني أنساهم، لكني راضية لأننا في النهاية نحن بقينا”.

وأضافت -في حديث مع الجزيرة نت- “لقد أرادوا فناء المسلمين، لكننا بقينا وسنبقى في البوسنة الجميلة، ولن نمل أو نتعب في رحلة البحث عن أغلى الناس عندنا، لقد سافرت إلى دول كثيرة للتعريف بعدالة قضيتنا، ولأكشف للعالم فظاعة العدوان الصربي علينا”.

الجزيرة نت تحاور رميزة غورديتش التي فقدت ولديها وزوجها في مذابح ملاديتش (الجزيرة)

من جهتها، قالت سنيدة كاروفيتش -رئيسة اتحاد ضحايا الحرب المدنيين في سراييفو- إني عند النطق بالحكم “تذكرت عندما أُصبتُ وفقدت إحدى رجلَي، عادت إليّ الذكريات الحزينة، ذكريات 1425 يوما من الخوف والهلع في ظروف غير إنسانية انعدمت فيها كل أسباب الحياة الطبيعية، فلا ماء ولا كهرباء ولا تدفئة”.

وتابعت “لكن مع ذلك كله أشعر بنوع من الرضا، لأني رأيت المجرم ذليلا، يأمره القاضي ليقف، فيقف، ثم يأمره بالجلوس فيجلس، وهو الذي كان يأمر فيُطاع، الحمد لله أنني شاهدت هذا اليوم”.

سربرنيتسا

وفي سربرنيتسا -التي شهدت المجزرة الرهيبة- نظمت رابطة أمهات سربرنيتسا متابعة محاكمة ملاديتش في نفس المكان الذي ارتكب فيه جريمته الكبرى، حيث وضعت شاشة عرض ضخمة في مركز النصب التذكاري في سربرنيتسا، لنقل وقائع جلسة المحاكمة عبر البث المباشر لقناة الجزيرة بحضور أهالي الضحايا.

ملاديتش حكم عليه بالمؤبد لارتكابه جرائم حرب في البوسنة (رويترز)

وقالت فضيلة أفنديتش رئيسة رابطة أمهات سربرنيتسا -للجزيرة نت- “أهدي هذا الحكم لروح خديجة محميدوفيتش الرئيسة الأولى للرابطة، وهي التي لم تعش لترى تلك اللحظة، وعاشت أكثر من 20 عاما في معاناة وحزن على أطفالها وزوجها. العدالة بطيئة جدا لدرجة أن العديد من الأمهات لم يفرحن بها”.

واستطردت “كما أود أن أهدي فرحتنا هذه إلى الأمهات في فلسطين. فنحن نتعاطف معهن، لأننا أفضل من يشعر بألمهن. ورسالتي للأم الفلسطينية هي النضال وعدم الاستسلام في السعي وراء العدالة، فلكل شر نهاية، حتى لو بدا أحيانا أن العالم كله يقف ضدنا”.

وتضيف أفنديتش “محكمة لاهاي لن تكون الأخيرة، والأيام تدور، ولن تبقى القوة دائما في أيدي الطغاة. هذا ما علمنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. نحن يجب أن نفعل ما في وسعنا؛ نجمع الأدلة والوثائق، ثم نكافح من أجل حقوقنا، وسننجح لأن الحق ينتصر إذا قام أصحاب الحق بما في وسعهم، هذا من قوانين الله في الأرض”.

الشيخ أحمد خورستانوفيتش إمام في سربرنيتسا وأحد الشهود على جرائم راتكو ملاديتش (الجزيرة)

كذلك ألماسا صالحوفيتش -التي تابعت المحاكمة من سربرنيتسا- قالت -للجزيرة نت- “عند النطق بالحكم تذكرت أخي عبد الله، لكن لا شيء يمكن أن يعيد من مات”.

وأضافت “لكن ومع ذلك إنه شعور جميل أن العدالة قد انتصرت، وهذا عزاء لنا إلى حد ما. كما أنه مهم للشباب الذين يعتمد عليهم مستقبل هذا البلد. وعلى الرغم من أن هذا المجرم ما زال بطلا في عيون بعض الشباب (الصرب)، فإننا نريد أن نصدق أن هؤلاء سيفهمون يوما ما أن مجرم الحرب المدان دوليا لا يمكن اعتباره بطلا”.

كما تحدثت الجزيرة نت مع الشيخ أحمد خورستانوفيتش إمام في سربرنيتسا وأحد الشهود على جرائم راتكو ملاديتش؛ حيث قال “في سربرنيتسا قُتل جميع أفراد عائلتي من الذكور؛ أبي، وجداي وأعمامي وأخوالي، قتلهم ملاديتش وأعوانه، دون ذنب اقترفوه، هربت أمي بنا عبر الغابة أنا وأختي، وكانت أمي حاملا، وولد أخي أنيس ولم ير أبانا قط”.

ويضيف “بالنسبة لي شخصيا، حتى عقوبة الإعدام للمجرم ملاديتش لا تكفي”، ويختم الشيخ أحمد قوله “أعتقد أن الجريمة ليس لها دين ولا قومية أو أي عنوان آخر، الجريمة جريمة وخطيئة كبرى في كل ديانات العالم”.

سياسيا، رحب باكر عزت بيغوفيتش بالحكم، ووجه حديثه إلى الصرب قائلا “أرجو أن يساعد هذا الحكم الشعب الصربي على التخلص من العبء المفروض عليهم من قبل أولئك الذين ينكرون الجرائم ويصورون مجرمي الحرب كأبطال. إن قبول الحقيقة هو الطريق الصحيح الوحيد لمستقبل أكثر نجاحا لنا جميعا”.

رأي الصرب

وجاءت ردود الأفعال الصربية على النقيض من ذلك؛ بدءا من ميلوراد دوديك العضو الصربي في مجلس رئاسة البوسنة والهرسك الذي صرح بأن حكم غرفة الاستئناف ضد الجنرال راتكو ملاديتش “هو مهزلة ومُسيس، وقد أظهرت المحكمة في لاهاي أنها تريد شيطنة الصرب”.

وجاءت تغريدة غوريتسا دوديك معبرة عن عدد كبير من الشباب الصربي، حيث قال “بمنتهى الجدية! أكرر .. تحيا جمهورية صربسكا! يعيش راتكو ملاديتش! وعاش كل أبطال جيش جمهورية صربسكا!”.

وكذلك داركو ملاديتش (ابن الجنرال الصربي) الذي أثار تساؤلا اعتبره البعض غريبا حيث قال “هذه المحكمة عُملت خصيصا لانتهاك كرامة الصرب، ولا يُقصد بها تحقيق العدالة”.

وتابع “وإلّا لماذا لا نرى مثلها في أماكن أخرى؟ لماذا راتكو ملاديتش يُحاكم هنا فقط؟ لماذا لا يوجد راتكو ملاديتش مثلا في سوريا؟”.

ضحايا مجزرة سربرينتسا تجاوز عددهم 8 آلاف (غيتي)

رأي الخبراء

إرمين كوكا الخبير بالقانون الدولي في لقائه مع الجزيرة نت؛ أكد أن “الحكم النهائي ضد ملاديتش له أهمية كبيرة لعلم القانون الدولي وممارسته، لأن المحكمة الدولية أدانت المسؤولين السياسيين والعسكريين بارتكاب الإبادة الجماعية” على حد قوله.

وأضاف “ومن المؤكد أن الخبرة المكتسبة خلال محاكمة مجرمي الحرب في البوسنة والهرسك ستكون بمثابة نقطة انطلاق يمكن الاستفادة منها لمحاكمة مجرمين آخرين (سياسيين أو عسكريين) في أجزاء أخرى من العالم”.

كما تواصلت الجزيرة نت مع عامر أحميتش ضابط الاتصال البوسني بالمحكمة الدولية المقيم في لاهاي، حيث قال “هذه هي المرة السابعة التي يحكم فيها على أحد مجرمي الحرب بالسجن مدى الحياة بعد إدانته في جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في البوسنة”.

وأضاف “هذا انتصار للبوسنة، انتصار لأهالي الضحايا والشهود والجميع، وعلى المستوى الشخصي أشعر بالراحة لأنني شهدت تلك اللحظة التي انتظرناها جميعا لمدة 26 سنة”.

ويختم أحميتش كلامه “لقد قبضنا عليه وقدمناه للعدالة، حاكمناه. واليوم يحصل على شهادة دولية بأنه مجرم حرب”.

المزيد من أخبار





Source link