في مدح الكسل.. لماذا نحب الاسترخاء على الأريكة؟! |


“أعتقد أن العمل الذي يُنجَز في العالم يزيد على ما ينبغي إنجازه بكثير، وأن ثمة ضررا جسيما ينجم عن الإيمان بفضيلة العمل”.

(برتراند راسل، فيلسوف إنجليزي في مقاله “في مدح الكسل”)

نشأت الحضارات الإنسانية قبل اثنتي عشرة ألف سنة تقريبا، وكان الإنسان قبل ذلك التاريخ صيادا جامعا بامتياز، إذ لم يكن هناك طريقة أخرى للحصول على الطعام سوى الخروج يوميا في مجموعات، بعضها تتولّى مهمة الصيد، والأخرى تتولّى جمع الفاكهة والجذور. لم تكن هذه الطريقة المُثلى لتأمين الغذاء للقبيلة، إذ لم ينجح الصيادون دوما في اقتناص الفرائس، وفي تلك الحالات، كانوا يكتفون بتناول ما جُمِع من غذاء، ثم يخلدون للراحة، حتى يدَّخروا ما يكفي من الطاقة من أجل يوم صيد جديد، لذا كانت الراحة ضرورة للبقاء على قيد الحياة.

تطوَّر الجنس البشري كثيرا منذ ذلك الحين، وبدلا من الخروج للعالم لتأمين طعامك، أصبح العالم يأتي إلى عتبة بابك، حاملا ما لذَّ وطاب من أصناف الطعام دون أن تبذل جهدا يُذكَر. قد يدفعك هذا للظن بأن الراحة لم تَعُدْ ضرورية لبقاء البشر، فلو نفدت طاقتك لأي سبب، ما عليك إلا أن تمد يدك لجارور (درج) مكتبك، وتتناول قطعة الشوكولاتة المخبأة هناك، هكذا ببساطة! هذا الوفر في الطاقة والوقت كان من المفترض أن يدفعنا للحركة أكثر، لكن الواقع كان له رأي آخر.

رغم التحذيرات الشديدة والمتزايدة (1) بشأن المخاطر الصحية لنمط الحياة الكسول (Sedentary lifestyle) السائد في عديد من الدول، كزيادة الوزن، والإصابة بأمراض القلب والضغط العالي وارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم، فإنك قد تجد صعوبة بالغة في مغادرة الأريكة والذهاب للصالة الرياضية، أو حتى صف السيارة أبعد قليلا عن وجهتك، حتى لا تضطر لمشي الأمتار الإضافية، فما السبب وراء هذا السلوك الذي قد لا يبدو منطقيا؟

كان هذا السؤال ما دفع مجموعة من الباحثين في جامعة بريتيش كولومبيا، وعلى رأسهم العالِم الفرنسي ماتيو بويجُنتي، لإيجاد تفسير لما أطلقوا عليه اسم “مفارقة التمرين”، فبينما تزداد حملات التوعية والدعوة لممارسة الرياضة واتباع أسلوب حياة أكثر نشاطا، تنخفض معدلات النشاط بين الناس، مما دفعهم للاعتقاد أن الإنسان المعاصر ما زال مُبرمَجا على حفظ الطاقة كما كان يفعل أسلافه.

لاختبار هذه النظرية، وضع ماتيو وفريقه مجموعة من 29 شابا أمام الحاسوب، ومنحهم التحكُّم في شخصية رمزية على الشاشة، وعرض مجموعة من الصور التي تدلّ على النشاط أو الراحة، كلٌّ على حِدَة، ثم طلب من كلٍّ منهم توجيه الشخصية نحو صور النشاط، وبعيدا عن صور الراحة، ثم القيام بالعكس، بينما يُسجِّل ما يحدث داخل دماغ كل واحد منهم باستخدام رسم المخ (EEG).

جاءت النتائج لِتُفيد بأن المشاركين كانوا أكثر سرعة في توجيه الشخصية نحو صور النشاط، والابتعاد بها عن صور الراحة، عن العكس. قد تتصوَّر للوهلة الأولى أن هذا يعني أن غالبية المشاركين يُفضِّلون النشاط البدني عن الاسترخاء، لكن قراءات رسم المخ كانت مُفاجئة، إذ أشارت إلى أن المخ يبذل مجهودا أكبر للابتعاد عن صور الراحة، مما دعا الباحثين لاستنتاج أن المخ البشري مُبرمَج ليُفضِّل الراحة والكسل عن النشاط والعمل.

ما مضى ليس مجرد حكاية نقرأها قبل النوم، بل قد يكون مفتاحا لقراءة المستقبل، هذا ما اعتمد عليه الباحثون في جامعة كانساس الأميركية (2) عندما قرَّروا دراسة الرخويات القابعة في قاع المحيط الأطلسي، في محاولة لفهم السبب وراء نجاة البعض منها وفناء الآخر، وتوقُّع فرص بقاء هذه الكائنات لأجيال قادمة. اعتمدت الدراسة على قياس معدل الأيض الأساسي (BMR) (وهو يُعبِّر عن كمية الطاقة التي يحتاج إليها الكائن الحي للبقاء على قيد الحياة) لدى الرخويات التي تعيش حاليا في قاع المحيط، ثم قارنوها بأسلافها المنقرضة.

يُمكنك أن تتوقَّع أن النتائج كانت أيضا مُذهلة، فما استنتجته الدراسة يُفيد بأن الرخويات ذات معدل الأيض الأعلى لم تنجُ من الانقراض، على عكس تلك ذات معدل الأيض المنخفض، التي نجحت في البقاء على قيد الحياة لما يزيد على خمسة ملايين عام، داعمة الفرضية القائلة إن البقاء ليس للأقوى، بل في الواقع للأكسل. ربما تنطبق هذه النظرية على ساكنات الأعماق الصغيرة، ولكن الأمر قد يبدو مختلفا في كائنات أكبر حجما، مثل أسلاف البشر من جنس الإنسان المنتصب.

اتجه مجموعة من الباحثين في جامعة أستراليا الوطنية (3) للتنقيب في الخليج العربي لاستخراج حفريات البشر الأوائل من موقع صفّاقة بالسعودية، واستنباط طريقة عيشهم من دراسة الأدوات التي صنعوها في بدايات العصر الحجري، وما توصَّل إليه الفريق بقيادة د. سيري شيبتون كان مُثيرا للغاية، حيث وجد الفريق أن نوع الأحجار المُستخدَمة في صنع الأدوات الخاصة بساكني المنطقة من “الهومو إريكتوس” (Homo erectus) كان رديئا مقارنة بمثيلاتها التي صُنعت في عصور لاحقة، ووجدوا على تلٍّ ليس ببعيد نوعا أفضل من الأحجار، لكنهم كانوا أكثر كسلا من تسلُّق التل والحصول عليه.

وتوصَّلت الدراسة التي نُشرت في دورية “بلوس وَن” (Plos one) إلى أن الأمر لم يقتصر فقط على تقاعسهم عن البحث عن أحجار أفضل، بل امتد إلى عجزهم عن التأقلم مع التغير المناخي في المنطقة، بعد أن جفَّت الأنهار التي كانوا يعيشون حولها وتحوَّل الخليج إلى منطقة صحراوية قاحلة. استنتجت الدراسة أن هذه العوامل قد تكون ما أدَّى إلى انقراض الإنسان المنتصب في تلك المنطقة، بالإضافة إلى كونه كائنا كسولا غير قادر على التكيُّف مع محيطه بمرونة أكبر، على عكس الإنسان المعاصر (Homo sapien).

في خضم اهتمامه بتطوُّر الإنسان، وتحديدا كيف كان يمارس نشاطه البدني وكيف تغيَّرت البيئة من حوله، توصَّل دانيال ليبرمان (4)، رئيس قسم بيولوجيا الإنسان التطورية بجامعة هارفارد المرموقة، إلى عدة استنتاجات أثارت بعض الجدل في عام 2016. لاحظ ليبرمان في سنوات عمله الطوال أن الطبيعة تميل إلى تفضيل الكسل على النشاط، فعلى الرغم من أن الإنسان الصياد الجامع كان يبذل نشاطا بدنيا أكبر مما نفعله الآن، فإن حركته كان ضرورة حتمية لبقائه على قيد الحياة.

دانيال ليبرمان – رئيس قسم بيولوجيا الإنسان التطورية بجامعة هارفارد

لم يمتلك أجدادنا رفاهية الذهاب في نزهة لمجرد الاستمتاع، لأن هذا كان هدرا غير مُبرَّر للطاقة، لكن معاناة الإنسان المعاصر هي أنه لا توجد ضرورة تكيُّفية تدفعه للحركة، فلن يموت جوعا إن ظلَّ قابعا على الأريكة طوال اليوم لأن الطعام أصبح سهل المنال، لكن جسده قد يبدأ في الانهيار التدريجي. يرى ليبرمان أن المسألة عرض وطلب، إن أصبح النشاط مطلوبا، فلا بد أن تستجيب العضلات برفع كفاءتها وزيادة حجمها لتُلبِّي هذا النداء، والعكس صحيح.

لعلك لاحظت أن العضلات التي لا تعمل كثيرا تُصاب حتما بالضمور، وكأنما يُغلق جسدك أجهزته التي لا تعمل ليُوفِّر الطاقة للأجهزة الأخرى. تنطبق النظرية نفسها على كفاءة القلب والأوعية الدموية، حيث تتصلَّب الشرايين وتقل كفاءة عضلة القلب، بل ويمتد التأثير على العظام أيضا، إذ يتوقف الكالسيوم عن الترسُّب داخلها وتُصاب بالهشاشة مع نقص النشاط البدني.

ما يحاول ليبرمان قوله هو إن الإنسان مُبرمَج على الكسل بدافع حفظ الطاقة، وهو ما يُعَدُّ الهدف الأسمى لخلايا جسدك حتى تُبقيك حيًّا، وإن أمراض العصر التي تسبَّبت بها الحياة المتراخية قد تكون قابلة للعكس عن طريق زيادة الطلب من جديد، أي عن طريق زيادة النشاط البدني، وأن أفضل طريقة لفعل ذلك هي أن نُحوِّل النشاط البدني الثقيل إلى نشاط اجتماعي مُحبَّب، كما كان أسلافنا يطاردون الفرائس في مجموعات ويحصلون على مكافأة جهودهم معا في شكل وجبة شهية، ثم ينالون قسطا من الراحة بعدها.

ربما لم يُدرك راسل كل هذا عندما نشر مقاله “في مدح الكسل” في مجلة هاربرز الأميركية، عدد أكتوبر/تشرين الأول عام 1932، لكنّ آراءه كانت ثورية بمقاييس عصره، حيث أشار في مقاله إلى أن الكسل كان ضرورة لقيام الحضارات وتطوُّر أصناف الفنون، ولكي يتحقَّق ذلك، كان لا بد أن يعمل البعض -العبيد- كثيرا حتى يرتاح الأسياد ويتفرَّغوا للإبداع. وحتى يحافظ الأغنياء على مكانتهم تلك، كان لا بد من ابتكار “فضيلة العمل”، فالفرد الصالح هو الفرد الذي يعمل كثيرا، ربما أكثر من اللازم.

ورغم انتهاء عصر العبيد، استمرت “فضيلة العمل” لتضع العُمَّال في منزلة العبيد مجددا، فقد كتب راسل أن عدد ساعات العمل اليومية يمكن أن يُقتطع إلى النصف دون أن يؤثِّر ذلك على الإنتاجية أو رخاء المجتمع، كما ثبت أثناء الحرب العالمية الأولى عندما انسحبت نصف العمالة من الوظائف العادية لتعمل في التجسُّس وصناعة السلاح، دون أن يؤثِّر ذلك على توافر الخبز.

لكن بدلا من أن يعمل الجميع قليلا كل يوم، ويعيش الكل في سعادة ورخاء، أصبح نصف المجتمع يعمل لساعات إضافية، بينما النصف الآخر يتراوح بين البطالة وحياة الدعة. ما أراد راسل قوله منذ 90 عاما هو أن الكسل فضيلة فقط إن كانت متاحة للجميع بالتساوي.

في يومنا هذا، ما زالت فضيلة العمل ذات صوت عالٍ، وربما هذا ما يدفعك للشعور بالذنب لبقائك مُستلقيا لا تفعلُ شيئا، أو ما يدفعك لإنهاك نفسك في العمل أو النشاط، وبين هذا وذاك، يمكنك أن تخلق توازنا صحيا، يحميك من الانقراض كأسلافنا الكسالى، ويقيك من أمراض العصر التي تفتك بالكثيرين ممن يعيشون حولك الآن.

____________________________________________________________

المصادر:

  1. ?What are the risks of sitting too much
  2. Evolution might favor ‘survival of the laziest’
  3. Acheulean technology and landscape use at Dawadmi, central Arabia
  4. Born to Rest

المزيد من مقالة





Source link