حرب التبريد.. نقترب من تدمير الكوكب بهواء المكيفات المنعش | الولايات المتحدة الأميركية


قبل الحرب العالمية الثانية لم يكن لدى أي أحد تقريبا مكيف هواء في المنزل، وإلى جانب كونه جهازا غير عملي من الناحية المالية وغريبا من وجهة نظر ثقافية فإنه كان خطيرا أيضا

خلال الأيام القليلة الماضية ضربت موجة حر شمال غرب المحيط الهادي، مما أدى إلى ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة إلى 47 درجة مئوية، ونظرا لامتلاك قلة فقط من الناس في المنطقة مكيفات هواء سجلت المتاجر مبيعات عالية من هذه الأجهزة في غضون ساعات في ظل سعي الجمهور المذعور إلى حل معقول لهذه الحالة الطارئة، ولسوء الحظ تمثل المكيفات جزءا من المشكلة.

في تقرير نشرته مجلة « تايم » (Time) الأميركية، قال الكاتب إيريك دين ويلسون إننا كنا قد اقتربنا من تدمير كل أشكال الحياة على الأرض خلال الحرب الباردة في ظل التهديد النووي، لكننا قد نكون اقتربنا من ذلك في ما سماها « حرب التبريد »، في ظل العدد المتزايد من الأميركيين الذين يملكون مكيفات وصناعة المبردات التي تنتهك القوانين، الأمر الذي قد يقضي على طبقة الأوزون تقريبا.

لم يكن الهدف من ظهور التبريد الميكانيكي في أوائل القرن الـ20 تحقيق الرفاهية، وإنما تسيير العمل في قطاع التصنيع، حيث كان التبريد ضروريا للحفاظ على جودة السلع مثل القطن والتبغ والعلكة.

وفي عام 1903 قام ألفريد وولف بتركيب أول نظام تبريد للأفراد في بورصة نيويورك، لأن الموظفين الذين كانوا يعملون في كنف الراحة حققوا عوائد أعلى بكثير من الأسهم، وفي العشرينيات ظهر « التبريد التجاري ».

قبل الحرب العالمية الثانية لم يكن لدى أي أحد تقريبا مكيف هواء في المنزل، وإلى جانب كونه جهازا غير عملي من الناحية المالية وغريبا من وجهة نظر ثقافية فإنه كان خطيرا أيضا، إذ تملأ المبردات الكيميائية -مثل ثاني أكسيد الكبريت وكلوريد الميثيل- معظم الثلاجات والمبردات، وأي تسريبات قادرة على أن تقتل طفلا وتسمم أرضية المستشفى وتتسبب في تفجير طابق سفلي.

في عام 1955 كانت 10% فقط من السيارات الأميركية مزودة بمكيفات (بيكسلز)

وأشار الكاتب إلى أن هذا الوضع تغير مع اختراع غاز التبريد (الفريون) في عام 1928 الذي لم يكن ساما وغير قابل للانفجار، جعل هذا الغاز العيش في ناطحة السحاب الحديثة بنوافذها المغلقة وموادها الممتصة للحرارة وحتى العيش في الصحراء ممكنا، كما أصبح بإمكان الهندسة المعمارية الآن تجاهل المناخ المحلي.

جعلت المواد الرخيصة المساكن الصغيرة في الضواحي في متناول معظم الأميركيين، لكن تصميمها الخانق تطلب تكييفا للهواء لمنع ارتفاع الحرارة داخلها، وهكذا سرعان ما تحول تكييف الهواء من ترف إلى ضرورة.

وبحلول عام 1980 كانت أكثر من نصف المنازل الأميركية مكيفة، وشهدت السيارات الأميركية تغيرات أيضا، ففي عام 1955 كانت 10% فقط من هذه السيارات مزودة بمكيفات ليصبح التكييف خاصية عادية في أي سيارة بعد 30 عاما.

بحلول عام 1980 كانت أكثر من نصف المنازل الأميركية مكيفة (غيتي)

بغض النظر عن الغاز المبرد المستخدم لا يزال التبريد يتطلب مزيدا من الطاقة، ووفقا لإدارة معلومات الطاقة الأميركية يشكل تكييف الهواء ما يقارب خُمس الاستخدام السنوي للكهرباء السكنية في الولايات المتحدة، وهو ما يكلفنا كوكبنا.

وأشار الكاتب إلى أن التبريد المريح لم يبدأ كإستراتيجية بقاء وإنما كمشروع تجاري، وفي مواجهة موجة الحر يظل تكييف الهواء الفردي غير فعال إلى حد كبير، فهو مفيد فقط لمن يستطيعون تحمل تكلفته، كما أن استخدامه في المناطق الحضرية لا يؤدي إلا إلى ارتفاع درجة حرارة المناخ الجزئي المحيط، مما يهدد حياة أولئك الذين لا يستطيعون الحصول على مكيفات.

ومن المفارقات أن الأبحاث تشير إلى أن التعرض للتكييف من شأنه أن يمنع أجسادنا من التأقلم مع الطقس الحار، وهذا يعني أن الأشخاص الذين يستخدمون مكيفات الهواء باستمرار يجعلون أنفسهم أكثر عرضة للأمراض المرتبطة بالحرارة.

الاستخدام المفرط للمكيفات قد يقضي على طبقة الأوزون (غيتي)

عموما، لا يشير التاريخ المضطرب لتكييف الهواء إلى أننا نتخلص من اعتمادنا عليه بشكل كامل، وإنما يشير إلى أننا نركز على التبريد العام والراحة العامة بدلا من التبريد الفردي على حساب الراحة الفردية، وضمان قدرة الأشخاص الأكثر ضعفا على كوكب الأرض على العيش في بيئة أبرد من خلال تحسين إمكانيات الوصول إلى مراكز التبريد العامة، والأشجار التي توفر الظل، والمساحات الخضراء الآمنة، والبنية التحتية للمياه المستخدمة للتبريد والتصميم الذكي، وذلك لن يؤدي فقط إلى إثراء مدننا بشكل عام، بل سيقلل أيضا درجة الحرارة بالنسبة للجميع.

ومن أجل تحقيق هذه الغاية سيتعين علينا إعادة تشكيل فهمنا لمعنى تكييف الهواء وللراحة التي تأتي بالنسبة للبعض على حساب الحياة على هذا الكوكب.

المزيد من أسلوب حياة





Source link