“الجنوبي”.. كيف حكت الصحافية تاريخ شاعِرها الإنساني؟


أمل دنقل الشاعر المولود بقرية القلعة مركز قفط بمحافظة قنا في صعيد مصر، في شهر يونيو من عام 1940، حيث بدأت الحياة من هناك، وانتهت في غرفة 8 بمعهد الأورام بالقاهرة، حيث مكث هناك مع مرضه آخر شهور في حياته، حتى تُوفيَّ في مايو من عام 1983. ما بين التاريخين، تاريخ إنساني طويل من المشاعر.

دنقل صاحب الشِعر القوي، المُعتصم في ميدان التحرير مع تظاهرات واحتجاجات الطلاب ليكتب لهم قصيدة الكعكة الحجرية، ويلقّيها اعتراضا على السياسات الساداتية تجاه الحرب مع الكيان الصهيوني عام 1972، والمتواجد في وقتنا الحالي كعقبة ثقافيّة أمام محاولات التطبيع السياسية والثقافية الدائرة بين الأنظمة السياسية العربية، بتحذيراته وتوبيخاته القوية للمُطبّعين في قصيدة “لا تصالح”. 

حكت الصحافية المصرية عبلة الرويني عن حبيبها وزوجها الشاعر أمل دنقل، التي تعرّفت عليه في محاولةٍ منها لعمل لقاءٍ صحفيٍّ معه، يجاوبها فيه أسئلتها، الذي تخص حياته، وأرائه السياسية وغير ذلك، لتحكي هي بعد ذلك عنه إنسانيته وملامح طبائعه الحياتية بشكلٍ إنسانيّ يتمفصل معه وجوده كذاتٍ سياسيّة ما زالت تؤثر في واقعنا السياسي الحاضر، في كتابها الجنوبي الصادر عن دار سعاد الصباح، الكويت عام 1992. 

مُحبّ

ربما قصّة دنقل والرويني ورسائلهما وحواراتهما، لم تلقّى صدى كبيرا في نوستالجيا المُحبّين، كما في رسائل غيرهما من الأحباب، لكنّها لا تقلّ شاعريّة وصدقا عن غيرها. لم تكن فتاة البرجوازية، التي تعمل كصحافية تعرف أنّها ستقع في حبّه من أوّل نظرة، قابلته لأول مرّة في شهر أكتوبر عام 1975، في إحدى مقاهي القاهرة، لإجراء حوارٍ صحافي خاص بالجريدة.

قالت له مُستعجبة: كنت أظنك أكبر من ذلك؟ ليجاوبها، يبدو أن عندك عقدة ألكترا، وهي العقدة التي وصفها النفسانيّ فرويد، بأنها تأتي للفتاة عندما تتعلق وتحبّ أبيها، حيث يلمّح دنقل أنها تريد أن تُحبّه. فجاوبته: اطمئن “لن أُحبّك”. وهكذا كانت أولى كلمات الحبّ بينهما، أنها لن تحبّه. 

 

اقرأ أيضا: اللون الفلسطيني لشعر أمل دنقل!

بعد أن تعمّقت صداقتهما، وباتت مَشاعرهما تجاه بعضهما، تظهر كالشمس في أماسي الحديث بينهُما، قاطعته في إحدى الجلسات قائلة: “جلس اليوم أمامي في المترو شابٌ جميل الملامح، نظر إليَّ وابتسم، أحسستُ أن ابتسامته تغتالك من الخلف، فتجهمّتُ مدافعةً عنك. أتمنى أن تكون في جواري في مترو الغد لأبتسم لكلّ الملامح الجميلة واغتالك وحدي”. ليردّ عليها هُو في إهداءاته لها على أحد الدواوين الشعرية كاتبا: “إلى الآنسة عبلة، من الممكن أن تكوني صديقتي، لكن عنادك حطّم هذا الاحتمال”. يقصد أن عنادها ولَباقتها في السخرية جعله يحبّها، لتتحول الصداقة بعد ذلك إلى حبٍ وارتباط. 

كان أمر الزواج بالنسبة لأمل صعبا، لمسؤولية البيت، والزواج، وشخصا معك، تناقشا الاثنان كثيرا حول خطوة ارتباطهما، كان أمل عنيدا، خائفا من الفشل في إسعادها، وأن تكون حياته سببا في شقائهما، لكنّ عبلة، بقوّتها جادلته، وبعاطفتها أقنعته، حتى قالت أن زواجهما ليس فقط انتصارا للحبَّ، بل انتصارا لاختيار أمل نفسه. فردّ عليها بقصيدة أيدوم النهر.

                                          أيدوم لنا البيت المرح
                                         نتخاصم فيه ونصطلح
                                        دقات الساعة والمجهول
                                          تتباعد عنّي حين أراك
                                       وأقول لزهر الصيف أقول
                                        لو ينمو الورد بلا أشواك
                                      ويظل البدر طوال الدهر
                                     لا يكبر عن منتصف الشهر
                                       آه يا زهر لو دُمت لنا
                                           أو دام النهر

بسيط

ربما كان دنقل نسخة أُخرى من شاعر الفقراء أحمد فؤاد نجم، يقضي يومه في الشوارع، بين الأزقة والحارات، راكنا بجوار عربات أكل الجائلين على رزقهم، لا يمتلك عملا يوفّر له راتبا شهريا يعيش به حياةً مستقرةً، يعيش ليكتب الشعر وفقا لمبادئه هُو لا مبادئ السلطة السياسية. أحيانا لا تتوفّر معه ثمن علبة سجائر، لكنّه كان غنيّا بصفاته وحواراته وكلماته

يوم عُرسه، كعادته بسيط في ملامحه، اشترى بدلةً وما يلزمها، وزُفَّ وسط الراقصة والفتيات الحاملات للشموع، على صوت الطبل والزمرِ. بعد انتهاء الزفاف، رفض أمل أن يستلقي العربات الملاكي الواقفة من أجل توصيلهما إلى البيت، واستلّقى عربة أُجرة، الموقف الذي استاءت والدة عبلة منه، لكنها استسلمت لبساطته وتلقائيته وارتباكه المُعلن في التعاطي مع يوم عُرسه، يوم هو فيه البطل الوحيد.

صادق

“إن الضعيف لا صديق له، بينما القوي يتزاحم حوله الأصدقاء”، هكذا كان يردد دنقل، لم يبحث دنقل طيلة حياته عن صداقة تكون سندا له في حياته، لأنه يتخذ ذاته سندا لنفسه، كما أنّه لا يُعرّف الصداقة بالمشاعر الظاهرة في الجلسات والمقاهي والأماسي، بل كانت الصداقة تتمحور في كيانه بشكل أكثر عقلانية، صديق ترتاح معه في أخذ وإعطاء الحوار بلا مللٍ. 

كانت صداقات دنقل من بين الأوساط المثقفة، الحائرين بكلماتهم وأشعارهم في أحوال العباد والأوطان، هم جيل شباب الستينات، مثل الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، بن مركز قفط محافظة قنا، أي بن بلده، والقاص يحيى الطاهر عبد الله، والكاتب سيدي خميس، والكاتب عز الدين نجيب، والشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، الدسوقي فهمي، محمد جاد، سهيل إدريس وغيرهم من النخب الثقافية وقتها. 

سكن دنقل ويحيى الطاهر معا، لمدة شهرٍ واحد بفندق الخليج بشارع طلعت حرب، وسرعان ما فرَّ الاثنان من بعضهما البعض حيث لم يرق لهما، وجود الآخر في الحياة المعيشية، اشتبكا أيضا الاثنان مع بعضهما حول الأفكار والأشعار والسياسات والمواقف. لكن، رغم هذا، لا يجرؤ أحدا على سبَّ يحيى أمام أمل، والعكس صحيح، إن حدث. 

عندما توفى يحيى الطاهر -وهو أقرب أصدقاء دنقل- في حادث سيارة عام 1981، رفض الثاني حضور تشيعه، ورفض إعلان أي مشاعر مثرثرة تجاه الحادثة، بل قال: “إن يحيى خاص بي لوحدي” ومن ثمَّ بكى، كانت هي أول مرّة ترى فيها عبلة دموع أمل بعد 7 سنوات من تعارفهما. 

صلب 

تميّز دنقل بكبريائه وصلابته، ليس فقط في رفضه سياسات السلطات المصرية المُهينة بحقّ الشعب المصري، من سياساتٍ تجويعيّة، وهزيمة وتطبيع وغير ذلك. بل انجلى كبريائه في تفاصيل حياته الشخصية. في يومٍ ما جاءت له صديقة صحافية وأخبرته أنّها يوم غدٍ مع موعدٍ للقاء الفيلسوف المصري زكي نجيب محفوظ، وقد طلب منها الثاني أن تحضر له مجموعة أعمال دنقل، غضب دنقل منها وقال لها “لست أنا الذي يرسل كتبه لأحد”، معبرا في ذلك عن كبريائه كشاعر لا يقلّ اهتماما أو مكانةٍ من غيره المُتخصصين في العلوم الأُخرى.

شُخّص دنقل بإصابته بمرض السرطان عام 1979، وبدأ في سكنه الجديد غرفة 8 بمعهد الأورام بالقاهرة، لتلقّي العلاج. عرف أمل إصابته بسرطان “التراتوما”، فقد أخبرهما الطبيب بكلِّ مصداقيّة بذلك، انهارت عبلة ساعتها، ووبّخت الطبيب لِقوله أن هذا النوع خطير وسيء للغاية. وقتها لام دنقل الطبيب أنّه أخبره أمامها، على غير عادة المرضى الذين يُخبى عنهم مرضهم في معظم الأحيانٍ، مكث دنقل طيلة هذا اليوم يمسح دموع زوجته ويصبرها ويضحكها، على الرغم من حزنه بالمرض. 

في نوفمبر من عام 1982، أقامت الدولة مهرجان ثقافي بعنوان حافظ وشوقي، بمناسبة مرور 50 عاما على وفاتها. تردد أمل كثيرا في الحضور، نظرا لأن حضوره يجسّد عاطفة الشفقة لدى مُشاهديه هُناك، فقد أكّل المرض جسده وأسقط شعره وأحنى ظهره، لولا حبيبته القوية التي قالت له: ستذهب وستكون أجمل الحاضرين، وأكثرهم صحة. ذهب أمل وألقى قصيدته القويّة “لا تصالح” على الحاضرين وسط تصفيق دوّى المهرجان وأرهق الكفوف وأسعد امل. 

                                                            إنها الحرب 
                                                        قد تثقل القلب
                                                   لكن خلفك عار العرب
                                                          لا تصالح 
                                                       ولا تتوخّ الهرب

اشتدّ المرض، وأصبحت الغيبوبات مقُبلة عليه، حتى نزعت حبيبته حقنة الجلوكوز من يده، وهي تودّعه قائلة: يمكنك الآن أن ترتاح، فأغمض عينه بهدوء ودخل في غيبوبة أخيرة لا يقظة منها، وذلك في فجر يوم 21 مايو عام 1983.





Source link